دكتور عبد العزيز الدوري
78
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
ضريبة عن رأسه ترمز إلى عبوديته وخضوعه للغالب ، وهي ما يساوي الجزية . وهذا ما كان يدفعه سكان العراق للساسانيين . وإذا فلا محل للمساواة ، ولا مجال للحديث عن إشراك المغلوبين في الحكم أو وضعهم في صفوف الأسياد . ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل كان عامة الفرس من فلاحين وحرفيين في إيران يدفعون ضريبة الجزية للتاج الساساني ، كما كان عامة الفلاحين في وضع عبودية تحت رحمة العظماء والنبلاء والأشراف الفرس . وبذلك انعدمت المساواة في إيران ذاتها واقتصر الحكم والإدارة والنبل على طبقات الأشراف ورجال الدين والمقاتلة ، وكان ذلك من أهم الأسباب لظهور المانوية والمزدكية . كما أنّ التسامح الديني كان معدوما تجاه الأديان الفارسية لتحكم الزردشتية مكافحتها لكل دين آخر يظهر في إيران ، ولذا تحولت المانوية والمزدكية إلى حركات اجتماعية سرية . ولمّا جاء الإسلام ووضعت التنظيمات المالية زمن الراشدين ، لم تحدث هذه تبدلا أساسيا في الأوضاع ، فقد فرضت في العراق ضريبتا الجزية والخراج ، وبقيتا تحملان معناهما القديم من الخضوع للشعب الغالب . وفي إيران فرضت جزية مشتركة على الوحدات الإدارية ، وفرض الخراج على الأرض ، دون أن تمسح كما في العراق . ومعنى ذلك أنّ المغلوبين عدوا طبقة واحدة بنظر المسلمين . ولكن هناك فرقا أساسيا بين النظرية القديمة والنظرية الإسلامية ، وهو أنّ الفارق بين الغالب والمغلوب هو الدين لا العنصر . وبذلك ترك المجال مفتوحا للمغلوبين ليرتقوا إلى صفوف الغالبين ويتمتعوا بامتيازاتهم بدخولهم في الإسلام ، ولم يكن هذا ممكنا في الوضع الذي سبق ظهور الإسلام . ولما جاء الأمويون ساروا على النظام المالي الذي وضعه عمر بن الخطاب ، وأعفوا الداخلين في الإسلام من الجزية والخراج أول الأمر . ولكنهم لا حظوا تقلّص الوارد تدريجيا نتيجة انتشار الإسلام ، وتقلص الأراضي الخراجية التي صارت تتحول إلى عشرية بامتلاك العرب لها . وتقلص أراضي الدولة ( الصوافي ) نتيجة الهبات الكثيرة . ولذا كان لا بد من التفكير بزيادة الوارد ، ولم يجدوا في نظام عمر ما يحل مثل هذه الأزمة ، فرجعوا إلى العرف المحلي وأحيوا بعض الضرائب القديمة المهملة كهدايا النوروز والمهرجان ، والضرائب على الحرف والصناعات . ولكن هذا لم يحل الأزمة ، فحاول الحجّاج معالجتها بأن استمر يفرض الجزية والخراج على المسلمين الجدد ، ويفرض الخراج على العرب الذين يمتلكون أراضي خراجية ، فارتفعت الضجة الكبرى من العرب أولا ومن الموالي ثانيا ، وقد أخفى العرب ضجيجهم وراء